الفصـــل 25 من دستورالمملكة :حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر
والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.
أنظر إلى هذه الصورة فلا أرى طريقًا قديمًا ولا سورًا عتيقًا ولا سيارات عبرت وانتهى أمرها، بل أرى قطعة كاملة من طفولتي وقد توقفت هناك، في حومتي بمكناس، تنتظرني منذ سنوات طويلة كأن الزمن مر من حولها ولم يجرؤ على لمسها. أعرف ذلك الطريق حتى
كأنني أستعير من البحر اتساعه لأضع فيه ما ضاق به القلب، وأترك للريح أن تقلّب صفحات عمري صفحةً صفحة، من غير أن تسألني عمّا خسرتُ، وعمّن غاب، وعمّا ظلّ حيًّا في داخلي رغم مرور السنوات.
أتركُ التلفاز كلَّ ليلةٍ يتحدّث إلى جثته المضيئة، كأنّ أحدًا قد نسي في الغرفة فمًا كهربائيًا لا يعرف أنه مات، وأجلس إلى جواره متخفّيًا في جسدي، أرقب القهوة وهي تبرد على مهل، تنسحب منها حرارةٌ صغيرة كروح حشرةٍ شتوية، فيما النافذة، تلك العين التي فقأتها المدينة ثم أعاد الزجاج تركيب بؤبؤها، تسكب عليَّ ضوءًا عجوزًا له رائحة الغبار والحديد والسنوات التي لم تقع بعد.
خرجتُ من بلادي وأنا أجرّ خلفي بيتًا صغيرًا مربوطًا بخيط من دخان، وكانت أمي واقفة عند آخر الطريق تلوّح بيدها، لكن يدها أخذت تكبر كلما ابتعدتُ، حتى صارت غيمة سوداء تغطي السماء، ثم انهمر منها مطر مالح ظل يلاحقني في المطارات والمحطات
ثمة صباحات لا تنتهي، حتى وإن غابت شمسها منذ
سنوات. تظل عالقة في الذاكرة بكل تفاصيلها الصغيرة، كأن الزمن عجز عن انتزاعها من
القلب. صباح ذلك الإثنين كان واحدًا منها. دخلت على أمي، فرأيت المرض وقد استولى
على جسدها النحيل، بينما بقي وجهها يفيض بذلك الحنان الذي لا تعرفه إلا الأمهات.
عرفوا اسمي... قبل أن ينطق به صوتي... مشيتُ عبر بواباتٍ بيضاء كالصوف، من ذهبٍ، سائرًا على درجاتٍ مضاءةٍ بالفوانيس، وحجارةٍ فضية. ظلالٌ عظيمةٌ لطيفةٌ عبرت السماء، كتلٍ حيةٍ من الرحمة، مشرقة. لم يسأل أحدٌ عما فعله الزمن. لم يحصِ أحدٌ كل ما فقدته. فقط فتحوا النور، ونادوني باسمي.
في الليلة التي غادرتُ فيها مدينتي، لم أحمل معي سوى حقيبة صغيرة، لكنها كانت أثقل من جميع الجبال التي عرفتها الخرائط. كانت مليئة بأصوات لم أستطع طيَّها، وبرائحة الخبز الذي خرج من فرن أمي قبل الفجر، وبمفتاح بابٍ يعرف أنه لن يفتح البيت نفسه مرة أخرى. ومنذ ذلك اليوم، صرتُ كلما وصلتُ إلى مدينة جديدة، أضع الحقيبة قرب السرير، ثم أفتحها ببطء، فلا أجد فيها إلا مزيدًا من الغياب.
في البدء لم يكن هناك
لحن، بل كانت الذاكرة تُبدِّل جلدها في جسد الريح، وكان الجرس يقرع داخل عظمةٍ نائمةٍ
في جمجمة الرمل. لم تكن الموسيقى تُسمَع، بل كانت تُرى وهي تنمو مثل شجرةٍ من الأصوات
الزرقاء، تمدُّ جذورها في الهواء، وتقطف ثمارها من أفواه الظلال.